يقدّم كورنياوان عارف مصبول قراءة تحليلية للعلاقة المتجددة بين إثيوبيا والسعودية، ويرى أن ما يجري عبر البحر الأحمر يتجاوز الدبلوماسية التقليدية إلى إعادة تعريف أحد أكثر الممرات الاستراتيجية تأثيرًا في العالم، في وقت يتفكك فيه النظام الدولي وتُعاد فيه صياغة التوازنات الإقليمية.


توضح ميدل إيست مونيتور أن القرن الإفريقي وشبه الجزيرة العربية ارتبطا تاريخيًا قبل نشوء الحدود الحديثة، عبر الدين والتجارة وضرورات البقاء، وأن هذا الترابط القديم يعود اليوم إلى الواجهة بوصفه فضاءً استراتيجيًا واحدًا، لا مسرحين متجاورين. في قلب هذا الفضاء، تعيد إثيوبيا والسعودية اكتشاف بعضهما بحذر، مدفوعتين بثقل ديموجرافي، وإرث حضاري، وحسابات واقعية فرضتها التحولات العالمية.


البحر الأحمر: شريان التجارة ومفتاح الاستقرار


يحمل البحر الأحمر قرابة 15% من التجارة العالمية، ونحو ثلث حركة الحاويات في العالم، ما يجعل أي اضطراب على ضفتيه ذا أثر فوري على أسواق الطاقة وسلاسل الغذاء والتضخم العالمي. تدرك السعودية هذه الحقيقة بوصفها مسألة وجودية، إذ يعتمد نجاح “رؤية 2030” على أمن الملاحة البحرية، وتنوع مصادر الغذاء، واستقرار الجوار الإقليمي.


تفهم إثيوبيا هذه المعادلة بدورها، رغم فقدانها منفذًا بحريًا منذ عام 1993، لكنها تواصل أداء دور الدولة المحورية في القرن الإفريقي، مستندة إلى تعداد سكاني يتجاوز 120 مليون نسمة، وإلى ثقل اقتصادي لا يمكن تجاهله. يدفع هذا الإدراك المشترك الطرفين إلى تجاوز الشكوك القديمة، مع تسارع لافت في منطق المصالح الاستراتيجية.


من الدفء الدبلوماسي إلى شراكة واقعية


ترفع المحادثات رفيعة المستوى التي استضافتها الرياض مطلع عام 2026 العلاقة بين البلدين نحو شراكة استراتيجية رسمية، مع التزامات واضحة تتعلق بالاستقرار الإقليمي، وتوسيع التجارة، وتنسيق المواقف الدبلوماسية. لا تحمل هذه الخطوات طابعًا رمزيًا، بل تعكس وعيًا مشتركًا بأن القرن الإفريقي والخليج يشكلان منظومة استراتيجية واحدة.


تتسم العلاقات الاقتصادية بكثافة متنامية، إذ تستقبل السعودية صادرات زراعية إثيوبية تشمل البذور الزيتية والماشية والخضروات، بينما ينشط المستثمرون السعوديون في قطاعات الزراعة والبناء والخدمات اللوجستية داخل إثيوبيا. يضيف انتقال العمالة بعدًا إنسانيًا مهمًا، حيث دخل نحو 200 ألف عامل إثيوبي السعودية عبر قنوات قانونية خلال عام 2025، مع توقعات بارتفاع العدد إلى 360 ألفًا في 2026. تسهم التحويلات المالية في دعم الأسر الإثيوبية، وتلبي في الوقت ذاته احتياجات سوق العمل السعودي، ما يخلق اعتمادًا متبادلًا لا تصنعه البيانات الرسمية وحدها.


الأمن الغذائي والأمن الإقليمي: تقاطع المصالح


يتصدر الأمن الغذائي جوهر هذا التقارب، إذ تستورد السعودية أكثر من 80% من احتياجاتها الغذائية، بينما تمتلك إثيوبيا مساحات زراعية شاسعة وقطاعًا زراعيًا سريع النمو. تتيح الاستثمارات المشتركة في الأعمال الزراعية، سواء في إثيوبيا أو السودان، مظلة واقية ضد الصدمات المناخية واضطرابات سلاسل الإمداد والضغوط الجيوسياسية، في زمن تحولت فيه الحبوب والأسمدة إلى أدوات نفوذ.


يقف الأمن الإقليمي كعامل حاسم، وإن بدا أقل صخبًا. تعيد السعودية صياغة دورها في السودان عبر دعم مالي ولوجستي ومسار دبلوماسي يهدف إلى استعادة سلطة الدولة ومنع تفككها. يحمل استقرار السودان أهمية مباشرة لإثيوبيا، إذ يجنّب حدودها الغربية انتقال الفوضى، ويحد من عسكرة ممر البحر الأحمر. يعكس هذا النهج عقيدة أوسع تسعى إلى تحجيم أدوار الميليشيات والفاعلين من غير الدول.


يستدعي هذا المسار تجربة وساطة جدة عام 2018 التي أسهمت في إنهاء الحرب الإثيوبية–الإريترية، حين تلاقت القوة الاقتصادية والتوقيت السياسي والشرعية الإقليمية. ورغم تراجع زخم السلام لاحقًا، ظل الدرس قائمًا: يمكن للفاعلين الإقليميين أن يكونوا عناصر استقرار إذا سادت البراجماتية.


أفق جديد لدور القوى المتوسطة


يحمل البعد الثقافي دلالة إضافية، فإثيوبيا تحتل مكانة خاصة في الذاكرة الإسلامية مع الهجرة الأولى إلى الحبشة، بينما تمتلك السعودية نفوذًا رمزيًا بوصفها حاضنة الحرمين. يختلف النهج الحالي عن محاولات سابقة، إذ يركز على العلاقات بين الشعوب، والتنقل العمالي، والتعليم، والتنسيق الإنساني، بدل الخطاب الأيديولوجي.


تقترح هذه الشراكة نموذجًا مختلفًا للعلاقات الدولية، يتجاوز ثنائيات الشمال والجنوب، والمانح والمتلقي. تلمّح العلاقة السعودية–الإثيوبية إلى نظام إقليمي يُبنى أفقيًا عبر المصالح المشتركة والمسؤولية المتبادلة. في عالم مثقل بالأزمات، يصبح استقرار القرن الإفريقي اختبارًا لقدرة القوى الإقليمية على إنتاج نظام أكثر صلابة، لا يخدم أطرافه فحسب، بل يدعم توازن النظام العالمي نفسه.

 

https://www.middleeastmonitor.com/20260205-addis-and-riyadh-reaffirm-priorities-at-a-critical-regional-moment/